الثلاثاء، 4 أغسطس 2015

رب ضارة نافعة


المثل في العنوان أعلاه صورة واقعية جدّاً. والتعارض ما بين الضرر والنفع ليس إلاّ قشرة جليد رقيقة سرعان ما تذوب. ومن "يفلفش" في حياة الناس، وربّما في حياته نفسها يعثر، في طيّات لحظة ما، على صدق ما يقوله المثل " وما في متل من كذب"، فيما يبدو!
ولكنْ ثمّة تساؤل تفرضه صياغة المثل المتناقضة، وهو حين يكون الضرر نفعاً هل يكون ضرراً؟ ربما كان الجواب في تفاصيل واقعة صينية لعاطلين عن العمل. كلّ تغيّر سلبيّ قد يتوارى خلفه أثر إيجابيّ، كما كلّ تغيّر إيجابيّ في الحياة قد يؤثّر سلباً في موجودات سابقة، يقضي على بعضها أو يقلّص حضورها، فالتلفزيون أكل من نصيب السينما، والكمبيوتر قضم من سلطان التلفزيون والكتب الورقيّة ونفوذ الأقلام، ومفرمة اللحمة الكهربائية جرّدت "جرن الكبّة" الحجريّ من وظيفته وجعلته ديكوراً دالاًّ في زاوية من صالون البيت. إنّها أضرار جانبيّة، أو ضريبة لا بدّ من دفعها، تفرضها سنّة الحياة والأرض اللتان لا تملاّن من الدوران.
وفي العالم حالات كثيرة لعمّال وموظّفين صُرفوا من أعمالهم إما لإفلاس الشركات التي يعملون فيها وإمّا لعصر النفقات. وهؤلاء العمّال ينقسمون إلى صنفين: صنف يروح يندب حظّه العاثر، ويلعن قساوة قلب صاحب الشركة، أو يستدرّ عطف ربّ العمل بالمثل القائل:" قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق"، ثمّ ينزوي في البيت، ويذوب من قهره، إلى أن يذوي في وجه ذويه. وصنف آخر يعتبر تسريحه من العمل نعمة حلّت عليه، وهو يعتبرها نعمة لا لأنّه " تنبل" هبطت عليه فرصة من باب السماء للراحة بل لأنّه، على العكس، من عشّاق العمل. ينتبه العاطل عن العمل- إذا فكّر- إلى أمر طريف وهو أنّ الذي يستغرقه العمل لا يفكّر أحياناً، وهذا ما يضمره قول شائع عمّن يعمل كثيراً: " مانو فاضي يحكّ راسو". ومن كان هذا وضعه فهو بالتأكيد لا يمكنه أيضاً أن يستخدم رأسه للتفكير. فالتفكير يتطلب وقتاً وفضاوة بال. وعلى سيرة "الفضاوة" فإنّ من يفكّر في بلادنا أحياناً نقول عنه: "بالو فاضي" وهو تعبير ساخر، يستخفّ بمن يمتهن التفكير! ومن لا يعمل تسنح له فرصة من ذهب إذ يسمح له فراغه الفائض بممارسة التفكير، وعليه فإنّ وقته يسمح له بابتكار حلول أو فرص للعمل، وهذا حال عدد لا بأس به من الناس.
كنت قد قرأت حكاية زوجين يعملان. ولكن سرّحت المرأة من وظيفتها في مصنع ساعات في شانغهاي، وكان قد سبقها أيضاً زوجها إلى نفس ذلك المصير الذي يبدو، للوهلة الأولى، كالحاً. ( ولكن الأمور، كلّ الأمور، بخواتيمها). زوجان بلا عمل، راحا يفكّران في البديل، والعمل ليس عيباً، وبالمناسبة لا نقول:"الشغل مانو عيب" إلاّ للأشغال الساقطة! في نظر بعض الناس، فمثلاً لا نقول لمن يعمل طبيباً، أو مهندساً، أو مدير مصرف "الشغل مانو عيب". والكلمات كلّ الكلمات ليست بريئة، لأنّ ماهيّة الكلام حربائيّة. راح الزوجان يستثمران هدأة الليل في تنظيف المكاتب والمطاعم، والزوجان ملتزمان بمقولة سقط تداولها، للأسف، في بلادنا "النظافة من الإيمان". وكان الضوء يشرق من المكان الذي ينظّفانه، فصارا معروفَيْن ومطلوبين في شانغهاي، ولكنّ أربع أيادٍ فقط لا تكفي لسدّ حاجات السوق، فراحا يبحثان عن أيادٍ بيضاءَ ونظيفة لتعمل معهما ثمّ أسّسا بعد سنتين من عملهما شركة خاصّة للتنظيف، وتوسّعت أعمالهما، وفي الشركة الآن أكثر من خمسين موظّفاً يَسْعَوْن في مناكب ومكاتب مدينة شانغهاي.
المصير نفسه لقيه زوجان آخران، من شانغهاي أيضاً، حيث سُرّحا من إحدى شركات الدولة المشرفة على الإفلاس، ومضت أيام من دون أن يجدا عملاً، ثمّ لمعت في ذهنهما فكرة تقبر الفقر والجوع وهي افتتاح محلّ لإيصال الأطعمة المعدّة للطهي إلى المنازل، شانغهاي تعجّ بالناس الذين يعملون ولا يجدون وقتاً لتحضير الطعام، واللقمة الطيبة مطلوبة فتدّفق عليهما الخير. واليوم يعمل في الشركة التي أسّسها هذان العاطلان عن العمل أكثر من مائة موظّف لتأمين وجبات جاهزة ولكنْ طازجة. ويقول الزوجان بعد أن عرفا فضل تسريحمها من العمل على حياتهما المهنية:" ليتنا كنّا قد سُرِّحنا من العمل منذ مدّة طويلة"، لأنّ الوظيفة كانت، عمليّاً، حاجزاً صلباً وصفيقاً بينهما وبين الوفرة المادّية التي ينعمان بها الآن. كان شاعر العرب أبو الطيّب المتنبّي قد انتبه إلى أنّه يمكن للأسقام أن تكون سبباً لصحّة الأجسام! بحسب ما ورد في قوله:
لَعَلَّ عَتْبَكَ مَحْمُوْدٌ عَواقِبُهُ فَرُبَّمَا صَحَّتِ الأَجْسامُ بِالعِلَلِ
البعض يلعن الظلام في حين أنّ البعض الآخر يستثمر طاقات الظلام الإيجابية، ومن حسن حظّ الدنيا والناس أنْ ليس كلّ من يلبس نظارات سوداء يرى الحياة من منظار أسود!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق