الأحد، 2 أغسطس 2015

ابو تمام وماء الملام من مقالات كتاب لعنة بابل


لا تكفّ اللغة عن الانتقال من حال إلى حال شأن الحياة والأحياء. وما كلمة "مجاز " إلاّ تعبيراً صريحاً وعلنيّاً حول هذه المسألة. كان ابن جنّي الذي قال فيه أبو الطيّب المتنبيّ:" ابن جني أعلم بشعري منّي" يرى " إنّ أغلب اللغة مجاز". ولكن المجاز ليس مجازاً واحداً بل مجازات. وما يكشف عن هذه الطبيعة اللغوية الشيّقة هو دراسة سِيَر دلالات الكلمات وخطّها البيانيّ الكثير التعرّجات، فثمّة تبادل للأدوار دائم بين قطبي اللغة:الحقيقة والمجاز.

الموضوع الذي أريد تناوله هنا هو عن بعض الناس الذين لا يعترفون إلاّ بحقيقة اللغة، وهنا أتكلم عن المفردات منها مع ما تعنيه هذه الكلمة من انفراد وانطواء وعزلة عن الحياة الطبيعية في جملة أو تركيب لأنّ الإنسان لا يستعمل اللغة مفردةً مفردةً وإنما يستعملها ضمن جمل. وما الفراغات البيضاء التي نراها بين كلمة وأخرى على صفحات الكتابة إلاّ ضرباً من تمزيق أوصال الصوت المتواصل. ولعلّ الأستاذ الأكثر قدرة على تعليمنا هذه النقطة هو الطفل في بداية اكتسابه للغة حيث نراه أحيانا يجمع كلمتين في كلمة واحدة أي انه في بداية تعلمه النطق أو الكتابة يجد صعوبة في ترسيم حدود الكلمة، وهذا مصدر إثراء غير مباشر لمفردات اللغة نفسها. أليس النحت اللغوي، إذا ما عدنا إلى تحري جذوره الأولى، من قبيل رفض الحدود الصارمة (أو الفجوة البيضاء) بين كلمتين؟ ولا أتكلم على ظاهرة النحت هنا من حيث هي عملية اصطلاحية غير عفويّة. ولا تنفرد لغة من اللغات بهذه الظاهرة وإنما نرى آثارها في كلّ ال المنتشرة على ألسنة الناس. في الفرنسية مثلاً عبارة "trés or" أي "ذهب كثير"، ولكن مع الوقت اتصل آخر الكلمة الأولى ببداية  الكلمة الثانية فأثمر هذا الاتصال كلمة لها مقام خاص في المعجم الفرنسي هي"trésor" أي "كنز". وهل فعل "جاب" في اللهجة العامية غير عملية اهتراء الطرف الأخير من فعل"جاء" الفصيح ثمّ التصاق ما تبقى منه أي "جا..." بحرف الجرّ " الباء" الذي يرافق فعل "جاء" ثمّ تولّد عن ذلك الالتحام فعل عاميّ لا تعترف الفصحى، راهنا، بدلالته المكتسبة؟

أعاود الكلام على الحقيقة والمجاز. لعلّ من أشق ما يمكن أن يطرأ على الدماغ البشري هو أن يصاب بعطب تشلّ قدراته اللغويّة المجازيّة. يمكن أن يتخيل أيّ أحد المأساة التي يمكن أن يعاني منها هؤلاء المرضى  الذين لا يعيشون إلاّ في أجواء "الحقيقة اللغوية" الخانقة، وقد يأتي مرضهم، جينيّاً، مع الولادة أو إثر صدمة دماغية. وثمة أبحاث ومتابعات لعلماء لغة ونفس ودماغ عن أناس لا يميزون بين عالم الحقيقة وعالم المجاز، أي يتعاملون مع الأقنعة كما لو أنّها وجوه!. وثمة دراسة عن إنسان يمتلك ذاكرة خارقة، لا تغيب كبيرة أو صغيرة عن ذاكرته. يحفظ كل ما يقرأ وما يرى أو يسمع. في ذاكرته مئات الكتب التي قرأها وحفظها من غير أن يقوم بأي جهد في سبيل الحفظ، يعرف رقم كلّ صفحة مع معرفة عدد سطورها وحروفها وما فيها من علامات الترقيم ولكنه لا يعرف إلاّ حقيقة اللغة ولا يحسن التعامل مع المجاز. إذا قلت له :" كلْ صحن الأكل" يظنّ انك تطلب منه أن يأكل الصحن. وفي حال أراد تنفيذ رغباتك فإنّ عينيك سوف تصابان بالذهول لرؤية صحن الزجاج يتهشّم بين شفتيه الداميتين وكأنه سندويشة. هذا الكلام ليس من قبيل السخرية السوداء إذ قام علماء كثيرون على دراسة دماغه لمعرفة هذه الظاهرة والغريب أنّ  صور دماغه تظهر فجوةً أو تجويفاً في المكان المخصّص لمعالجة الحقيقة والمجاز.

هذه المأساة عاشها الشاعر العباسي أبو تمام ليس مع نفسه وإنما مع بعض من لا يعترف فيما يبدو بوجود المجاز. وثمّة حكاية ترويها كتب النقد والبلاغة بطلها بيت شعر لأبي تمّام يقول فيه:

لا تسقني ماء الملام فإنني    صبّ قد استعذبت ماء بكائي

لم يكن أحد السامعين قد رأى في يوم من الأيام ماء الملام ففرح، فيما يبدو، وأراد الارتشاف، بخلاف الشاعر، من معين هذا الاكتشاف فأخذ إناء وذهب إلى أبي تمّام طالباً منه أن يملأه له بماء الملام. ومن أين يأتي الشاعر بماء الملام وهو لم ينبع إلاّ من مخيلته الفذّة  ولكنّ أبا تمّام الذي كان يتمتّع بسرعة البديهة وافق على أن يروي غليل السائل من ماء الملام بشرط أن يدفع الثمن (المجازيّ!) وهو إحضار ريشة من "جناح الذلّ". فإذا كان السائل مؤمناً بوجود "ماء الملام" فإنه لا ريب قادر على الإتيان بريشة واحدة من "جناح الذلّ"، وهو تعبير وارد في القرآن الكريم:" واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة وقلْ ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيراً"( الإسراء،170).

ثمّة مأساة توجع القلب يعيشها من يأخذ المجاز مأخذ الحقيقة، ولكن ثمة مأساة الذي يعيش في كنف من لا يؤمن إلاّ بحقيقة اللغة، وهي مأساة ذاق أبو تمّام علقمها المرّ من بعض معاصريه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق