الأحد، 19 يوليو 2015

المقصد الأسنى في أسماء الله الحسنى



ثمّة عبارة مقتضبة وجامعة قالها الإمام الموسوعيّ جلال الدين السيوطيّ عن أثر القرآن الكريم في العلوم وردت في مطلع كتابه " الإتقان في علوم القرآن" يقول فيها:" وإنّ كتابنا القرآن لهو مفجّر العلوم ومنبعها، ودائرة شمسها ومطلعها، ] ...[ فترى كلّ ذي فنّ منه يستمدّ، وعليه يعتمد". ومن يتأمّل انطلاقة كلّ العلوم العربية، ولا أقصد فقط العلوم الدينية وإنّما أيضاً العلوم الدنيوية المحض كعلم الجغرافيا أو الفلك أو التاريخ، يكتشف أنّ العلوم لم تتمتّع باستقلاليّتها التامّة إلاّ بعد أن اشتدّ عودها، وصار بإمكانها أن تعيش حياتها معتمدة على قواها الذاتيّة. والعلوم اللغويّة أيضاً كانت انطلاقتها انطلاقة دينيّة هدفها سبر أغوار النصّ القرآني الرحيب، والقرآن الكريم نصّ إلهيّ لغويّ، والبحث عن الإعجاز القرآنيّ كان بحثاً في الإعجاز اللغويّ، وكتاب "الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل" لجار الله الزمخشريّ هو من بين كتب التفاسير التي أرادت الكشف عن جماليات النصّ القرآنيّ البلاغيّة، وكان ابن خلدون قد نصح بقراءة هذا التفسير لمن يلتفت إلى لمس مواطن الإعجاز اللغويّ في القرآن. ومن الطريف أيضاً أن يكون كتاب آخر لا علاقة له بالبلاغة والأدب بشكل مباشر هو أوّل كتاب في العربية اشتغل على تحليل نصّ أدبيّ كامل تحليلاً وافياً، وأقصد به كتاب "إعجاز القرآن" للباقلاّنيّ، وهو كتاب كان هدفه إظهار ركاكة أعرق النصوص الشعريّة في حال مقارنتها بالقرآن، فكان أن تمّت ولادة أوّل تحليل متكامل لنصّ شعريّ أخّاذ هو معلّقة امرىء القيس على يدي الباقلاّنيّ، بمعنى ان الكتب التي لا تهدف إلى درس الأدب بل إلى تهشيمه تعتبر ثروة أدبيّة في حال تمّ التعامل معها برحابة صدر. وما قلته على صعيد تحليل الشعر يمكن أن يقال في تحليل اللغة، فمثلاً علم الدلالة أو علم المعنى وهو فرع من فروع علم اللغة لا يمكن لمن يريد ان يلقط خيوطه الملوّنة الكثيرة الا الانغماس في كتب لا علاقة ظاهرة لها مع علوم البلاغة، وهي الكتب التي عالجت الفقه وأصول الأحكام، وهي معين خصب لعلم الدلالة، وهذا ما التفت إليه علماء اللغة حديثاً محاولين من طريق سبر علم الأصول سدّ نقص الدراسات اللغوية المحض حول علم المعنى.

فالمعنى ليس مسألة عابرة، فهم من لبّ العلوم الدينية، والحلال والحرام يتوقّفان على علم المعنى، وجزء من خلاف الفقهاء والمفسّرين وعلماء الكلام كان سببه قضايا لغويّة، فالكلمة قد لا تعني ما تعني. وجود الحقيقة والمجاز وتبادل الأدوار بينهما يجعل مسألة الحسم ليست في متناول الإجماع دائماً. ومن المعنى سأدخل إلى دلالات اسماء الله الحسنى، ولا ننسى انّ دلالات اسماء الله الحسنى كانت مصدر انشقاقات كثيرة بين الفرق الاسلامية، فهل هي أسماء أم صفات؟ لن أخوض في قضيّة شائكة لا يمكن حسمها بسهولة، ولكنّي أريد التركيز على نقطة رائعة في أسماء الله الحسنى وهي ارتباطها بالدلالات والسياقات المحيطة بها، وهي ليست مترادفات بسبب انه لا يمكن ابدال اسم باسم آخر دون ان يصاب المعنى بالاختلال والمقاصد بأضرار دلاليّة. والكتب التي تناولت اسماء الله الحسنى في اللغة العربية وغير العربية وفيرة جدا منها كتاب لحجة الاسلام لغزالي " المقصد الأسنى في  شرح أسماء الله الحسنى". ومن الشيّق جدّا دراسة أسماء الله دراسة سياقيّة تربط الاسم بمدلول الآية ومقاصد السورة، ويمكن الدخول الى اسماء الله الحسنى من باب ادراجها بحسب ورودها في الآية الكريمة، وبحسب ورودها في التنزيل بحسب زمان النزول، وبحسب توزّعها في النصّ القرآني، فالكثافة العددية ليست واحدة، فالرحمن والرحيم على سبيل المثال يشرفان على كلّ السور، ويكونا فاتحة كلّ شاهد قرآنيّ بخلاف أسماء اخرى. كما يمكن درسها بحسب توزيع الجذور، فمثلاً من جذر "غفر" هناك ثلاث اسماء "غافر" و"غفّار"و"غفور"، في حين من جذر "سلم" ليس هناك إّلاّ "السلام".

 ومن النوادر ذات الصلة بأسماء الله الحسنى ما رواه الأصمعي وهو من هو علما ودراية! والنادرة تفصح عن عظمة هذا اللغويّ الجليل اذ اعترف ضمناً بأنّه قد تغيب عنه أمور من أسماء الله قد يعرفها أعرابيّ ( ويقصد بالأعرابيّ في كتب اللغة ذلك الذي لا يزال يحتفظ بسلامة سليقته اللغويّة التي لم يعتورها اللحن). والأعرابيّ ليس من أهل الاختصاص في اللغة إّلاّ انه أدرك بحسّه اللغويّ السليم الفروقات اللطيفة الكامنة بين المترادفات، وهي فروقات قد تغيب حتّى عن عين خبير لا شكّ في خبرته اللغويّة من أمثال الأصعميّ.

قال الأصمعي: كنت أقرأ "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيم "، وكان بجانبي أعرابيّ فقال: كلام مَن هذا؟ فقلت: كلام الله، قال: أعِد فأعدت، فقال: ليس هذا كلام الله ، فانتبهتُ فقرأت: "السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيم" (المائدة:38)، فقال: أصبت، فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قلت: فمن أين علمت؟ فقال: يا هذا، عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع.

شعر الأعرابيّ وهو يسمع الأصمعيّ بخلل دلاليّ بيّن لم ينتبه له الأصمعيّ، ولم يكن الأعرابيّ من حفَظة القرآن، ولم يكن قد سمع الآية من قبل، ولكنّه كان من حفظة أسرار البيان العربيّ ومقاصده التي سمحت له أن يعرف مواقع أسماء الله الحسنى بحسب دلالات الآيات.

بلال عبد الهادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق