الاثنين، 21 ديسمبر 2015

الخليل بن احمد الفراهيدي والقرصان الرقميّ من مقالات كتاب #لعنة_بابل




يتناول هذا المقال مسألة من مسائل اللغة العربية، وسوف تظهر العلاقة التي تربط بين الفراهيدي والقرصان في تفاصيل المقال. لا أحد، فيما أتصور، يجهل المكانة السامقة التي يحتله الخليل بن احمد الفراهيديّ، على صعد متعددة، فهو أوّل من قام بتأليف معجم لغوي مبتكر، واوّل من فكّر في ضبط ايقاع الشعر العربيّ عن طريق وضعه لعلم العروض، كما إنّ ظلّ الخليل الوارف يتراءى لنا في كلّ صفحة من صفحات كتاب سيبويه النحويّ.

 ساعتمد على نظرية الخليل بن احمد في تصنيف الكلمات العربية بمؤازرة من لغويّ آخر لا يمكن، أيضاً، نكران قيمته اللغوية والبلاغية، وهو ابن جنّي الذي كان على علاقة ودّ مع الشاعر ابي الطيب المتنبي، وما يؤكد قيمته اللغويّة والنقديّة انّ المتنّبيّ كان يوجّه من يأتيه مستفسراً عن معنى بعض شعره الى ابن جنّي نفسه وكان غالباً ما يردف توجيهه بعبارة هي شهادة  ترفع من شأن ابن جنّي، إذ كان يقول:" ابن جنّي أدرى بشعري منّي".

سأبدأ بالفراهيدي الذي قسم الكلام العربي الى قسمين: قسم سماه "المستعمل"، وقسم سماه "المهمل"، والمستعمل هو كلّ الكلمات الموجودة والمتداولة أياً كان شكل استعمالها او وجودها فقد تكون غريبة او وحشية، وحوشيتها او وحشيتها لا تمنع كونها مفردة من المفردات العربيّة، ولكن الطريف في الخليل انّه اهتمّ بتناول كلمات لا وجود لها، وهي ما سمّاه بالمهمل. وقد يظلّ المهمل في حيّز العدم وقد تجيء مصادفات حياتية تسهل عملية انتقال المهمل إلى حيز المستعمل. سوف أقوم هنا بتفصيل أمر المهمل قليلاً، وسانطلق من المستعمل، نحن نعرف على سبيل المثال ان "الكره" شعور موجود في النفس الانسانية وفي اللغة العربية، وجذر هذه الشعور المستكره هو " كـ، ر، هـ ". لقد قام الفراهيدي بتقليب هذه الاصوات الثلاثة ليرى ما الموجود منها وما المعدوم. لاحظ ان لا وجود للجذر" ر،هـ، ك" ولا لـ "ر، ك، هـ" ولا لـ " ك، ه، ر" ولا لكلّ تقليباته. وهذا ما دفع به الى الاستنتاج بأنّ هذه الجذور مهملة أي لا وجود لها في اللسان العربي، وسبب عدم وجود الجذر قد يكون احياناً لصعوبات ومشقّات صوتيّة منها تقارب المخارج، انّ من قضى على احتمال وجود هذا اللفظ " خَحْعُ" في العربية، على سبيل المثال، هو دنوّ مخرج الخاء من مخرج الحاء ومخرج العين. وعليه فإنّ تعذّر او ثقل التلفّظ بـ" خَحْعٌ" كان سبباً من أسباب عدمه.

لقد خطرت ببالي فكرة البحث عن الجذور العربيّة التي لا وجود لتقليباتها المختلفة، وتختلف الجذور العربية من ناحية التقليبات بين بعضها بعضها، بعضها ليّن، وبعضها صلب، انعزاليّ، لا يتقبل ان يساكنه تقليب آخر. فمثلاً إذا جئنا إلى جذر" سجن" فإننا نرى إلى جواره جذر "جنس" و" نجس" و"نسج" نلحظ، هنا، اننا امام اربعة جذور حاضرة في الرأس وفي الاستعمال العربي. البعض تعيش تقليباته كلّها مثل: "لحم" ، " لمح" ، "حلم" ، " حمل" ، " ملح" ، " محل".  البعض قد لا يعيش منها ولا ايّ تقليب ومنها ما يعيش تقليب واحد، بالنسبة للتقليب الواحد هو ما رأيته بالنسبة لـ"كره". كنت أتأمّل دلالات الكره في العربية واستوقفني غياب تقليباته الصوتيّة، فلا وجود لأيّ تقليب، وهذا ما عزّز فرحة لغويّة في نفسي إذ قلت إنّ الكره مكروه حتى من قبل كلّ تقليباته الصوتية التي فضلت العدم على الوجود والتعايش معه، هذا ما يقوله ابن جني في نظريته حول التقليبات الصوتية كما فصلها في كتابه الفذّ " الخصائص" ، إنّ نواة المعنى واحد بين مختلف التقليبات الصوتية، اي ان سمة دلالية واحدة تشبه خيط السبحة تجمعهم تحت سقف واحد.

ولكن انتبهت الى نظرية الفراهيدي في الكلام "المهمل"، وانا اتابع اخبار القرصان الرقميّ ودوره المحتمل في الصراع العربي الصهيوني. والصراع الرقميّ او الجهاد الرقميّ، كما يسميه البعض، ساحة يحسب لها الف حساب في استراتيجيات الدول، ومن الضروري ان تعمل الدول العربية على تكوين كتيبة رقمية تحمى الحدود الرقمية المستباحة، وكنت قد قرأت ان الصين مثلا لديها كتيبة من الاف القراصنة الرقميين وظيفتهم تدمير البنتاغون رقمياً في حال نشوب حرب بينهما. اشير الى ان المقال لن يتناول مسألة القرصنة الا في حدودها اللغوية. لقد دخلت مفردة انكليزية وهي الـ "hackers" الى اللغة العربية في ثلاثة اشكال: "هاكرز" و "هاكر" و " هكر"  وهي تعني القرصان الرقميّ. وهذه الاشكال الثلاثة يمكن لاي متصفح لـ"غوغل" ان يعثر عليها. لم انتبه الى وجود " هكر" الا بمحض المصادفة، فأنا أستعين كثيراً بغوغل الذي يروي غليل الأسئلة المطروحة عليه، منها مثلاً وجود أو عدم وجود كلمة ما على الانترنت ونسبة ورود هذه الكلمة او تلك، انّ لـ"غوغل" سلطاناً لغوياً لا ينكر، وهذا السلطان يهزأ  ببرودة المجامع اللغوية وبلادة المعاجم اللغوية العربية التي لا تعرف كيف تقتبس من الضوء سرعته، في زمن السرعة هذا. وضعت مفردة " هكر" في غوغل، وهو احد تقليبات " كره" ، من وجهة نظر الخليل، وانتبهت إلى أنّ هذا اللفظ المهمل، فراهيديّاً، لم يعد مهملاً، بل اقتبس المعنى الغربيّ وهو القرصان الرقميّ. لاحظت أنّ في كلمة " هكر" شيئاً من التوفير الصوتيّ، فهي تقوم مقام كلمتين وهما " القرصان الرقميّ". وبين الهكر والكره شبه على مستوى المعنى وان من طرف بعيد وخفيّ، فالقرصان الرقمي يؤذي الآخرين من خلال السَّطْو على أملاك الآخرين وخصوصياتهم المعرفية وغير المعرفية، والهكر كما الكره ينتسبان معاً من حيث المبدأ إلى المشاعر السلبيّة لا الإيجابيّة.

لقد اعتبر الفراهيدي انّ المهمل بمثابة آنية فارغة ( أليس هناك من يشبّه الألفاظ بأواني المعاني؟) ، ولم يحكم عليها بالموت او العجز الأبديّ وإنّما بإرجاء المعنى. أليس من قبيل المصادفة الطريفة ان يدخل " الهكر" المهمل حيّز المستعمل من باب القرصنة الالكترونية والرقمية.
كتبها بلال عبد الهادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق