الكلمات طيور مهاجرة بفارق واحد وهو أنّ الطيور لها طريق هجرة واضحة المعالم، اما الكلمات فلا أحد يعرف ما كتبته لها الأقدار ، ولا يمكن لأيّ عالم بالفلك حتّى ولو كان ليلى عبد اللطيف او ميشال الحايك من أن يكشفا أو يكتشفا خطّة الكلمات. بعض الكلمات تشبه جزءاً من صلب الديكور، يتغيّر الممثلون وتبقى الأجزاء حيّة. كم هو عدد الكلمات السريانية التي لا تزال عائشة مثلاً في لبنان رغم غياب اللغة السريانيّة عن ساحة الاستعمال اليوميّ البراغماتيّ؟ وأحياناً الكلمات التي ليست من صلب اللغة تأكل لعنات كثيرة ليس لأنّها غريبة أي لا تأكل لعنات بسبب عنصرية اللاعن، وإنّما لظروف لا علاقة للكلمة بها أبداً . كم مرّة تلعن "قاديشا" مثلاً في طرابلس رغم قداسة المعنى وذلك بسبب انقطاع التيّار الكهربائيّ المضبوط كساعة بيغ بن، وإذا سألت بعض من يلعن " قاديشا" ما معنى قاديشا لا يخطر بباله شيء من دلالات الكلمة المقدّسة أو علاقة هذه المفردة بلغة كانت ذات زمن جسراً حضاريّاً جميلا بين العرب والإغريق. والسبب ببساطة ان شركة الكهرباء اختارت لنفسها هذا الاسم في الشمال، فراحت تنهال عليها لعنات دفّاقة مع كلّ عتمة داهمة أو شلل كهربائيّ بغيض.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق