الأحد، 17 سبتمبر 2017

القرود الثلاثة

ما كنت أريد التعليق على هذه الصورة، خصوصا بعد ان حذفت التعليق الذي كان كالعنوان لها.


قلت: حررها يا ولد من اسمها ودعها ترفرف على ذوق القارىء.
اعرف ان المكتوب لا يقرأ من عنولنه، وأكبر كذبة أن تقرأ المكتوب من عنوانه. العنوان مراوغ، يريد أن يفرض عليك وجهة سير معينة.
وللأديب مصطفى لطفي المنفلوطي مقال بعنوان طريف: خداع العناوين.
لهذا لن أتكلم هنا عن العنوان، وأحاول ان لا اقع تحث تأثير العنوان الموضوع لها، وهو عنوان بدوره كما عرفت ليس من وضع الرسام، وانما من وضع شخص آخر أراد ان يلعب بها ويأخذها إلى بيئة دلالية مغايرة.
سأحكي فقط عن التقليد والإبداع، وكي أن المرء بامكانه استخدام التقليد كحبر للإبداع.
كل إبداع هو عند التحقيق تقليد ما بكيفيّة ما.
والإبداع هو محاكاة كما كان يقول قدامى اليونانيين، ولعنترة مقطع شعري يقول فيه: هل غادر الشعراء من متردّم؟
" المتردّم" هو مادة الإبداع!
الإبداع ليس ابن الفراغ، ولا ابن العدم، حتّى آدم لم يخلق من عدم وإنّما من أدم!
الإبداع سرّاق على غرار ذلك السرّاق الذي تكلم عنه الفيلسوف الطاوي ليه تسو (列子) والإنسان بنظر ذلك السراق لا يمكن له أو يعيش او لم يسرق، يسرق ثمار الاشجار، ومياه الينابيع، ووبر الحيوانات ليلبس، سرقة الطبيعة حلال، فلا احد يلومك ان عصرت اثداء الأبقار لتسرق حليبها، ولا اثداء الغيوم لتعصر ثمرة بطنها...
الفيلسوف الصيني حلّل السرقة بل جعلها سرّ استمرار الحياة بهذا المفهوم المحدد، وليه تزه خبير بوضع حكايات تخرج من جلدها وتتجول في جلود الآمرين.
وهذه الرسمة هي سرقة، والسرقة انواع، كان العرب قد وضعوا أسسها في كلامهم عن الشعر، ولكو ما وضعوه من أسس يمكن للمرء أو يستلهمها ليس لكتابة قصيدة وإنما لفعل ما يخطر بباله.
مفهوم السرقة عندهم هو نفسه مفهوم الإبداع أو بشكل أدقّ التناص.
ويمكن أن يذهب القارىء الى كتاب المثل السائر لابن الأثير الذي فصفص مفهوم السرقة حبة حبة.
هذه الصورة تأخذني إلى الصين، وتأخذني إلى اليابان، وتأخذني إلى الغرب قبل أن تعيدني إلى لبنان او العالم العربي. 
تأخذني الى الصين لأن الحكاية صينية، وتأخذني الى اليابان لأن ابطالها الثلاثة اشتهروا بأسمائهم اليابانية وليس الصينية على غرار ما اشتهرت الأشجار القزمة في بلادنا العربية باسمها الياباني وليس الصيني رغم انها صناعة صينية ( البونزاي) 
والحكايات كالامثال لا معنى واحدا لها، وكذلك الرسومات، وكذلك بعض ابيات الشعر. 
الصور جوكر في عالم اللعب!
لماذا الصين لأن تحت الكتب الثلاثة قرودا ثلاثة مختبئة في صفحات الكتب!


الرسمة هي في الأساس رسمة القرود الثلاثة بهذه الكيفية. وقد حكى كونفوشيوس عن معناها وهو معنى مختلف عن المعنى الرائج لها.
ولكن طاب لشخص أن يرى القرود كتبا!
ولأنه رأى القرود كتبا استطاع أن يبدع.
ما هو الإبداع؟
لا يمكن إلاّ لأحمق أن أن يدّعي تعريفا جامعا مانعا للإبداع!
فقد يكون الإبداع العالي في التقليد الحرفيّ، كما بمقدوره أن يكون نسفاً بسيّارة مفخخة لكلّ ذرات التقليد! نسفٌ يحيل الأشياء " متردمات" على غرار ما قال عنتر.
والمتردمات هي بتعبير اليوم أنقاض. وإن كنا نستعمل مفردة ترتبط بالمتردم
من حيث الجذر وهي " الردميات" التي استعملناها في "ردم " البحر!
والأنقاض هي مادة اولية للإبداع.
اترك للقارىء ان يرى في الصورة ما يريد.
" إسقاط" معنى على الصورة ليس " سقوطا" في الرذيلة.
ما الذي يقوله الكتاب حين يغلق شفتيه؟
وما يقوله الكتاب حين يصمّ أذنيه؟
وماذا يقول الكتاب حين يغمض عينيه؟
الصورة تتكلم عن ثلاث حواس، والانسان يتمتع بخمس حواس، مع حاسة سادسة تشبه الدولاب الخامس في السيارة او الدولاب " السبير".
أي تعادل بين الحضور والغياب بشكل من الأشكال، وهنا مكمن الإشكال!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق